جماعة الفيلم السوداني
تكونت جماعة الفيلم السوداني عام ١٩٨٩، خلال سياق سياسي جعل تحقق وتخليق أي عمل فني أو إبداعي أمرًا غاية في الصعوبة إن لم يكن مستحيلًا، فقد بدأت الجماعة عملها مع بداية صعود الجبهة الإسلامية سدة الحكم في السودان؛ بدا الأمر كما لو كان هذا رد المخرجين الرواد في السودان على نظام أيديولوجي حاول فرض نفسه وتجذير أفكاره المتطرفة عبر قنوات عدة وحاول في الوقت ذاته تهميش كل الفنون وخاصة السينما لأنه أدرك تمامًا أن تأثيرها السياسي والفني والاجتماعي وحتى الجمالي متعاظم على الجماهير. ونظرًا لما لاقته صناعة السينما خلال نظام اقتصادي جفف كل الموارد التي تغذي شرايين الإنتاج المحلية في السودان، فإن استمرار جماعة الفيلم السوداني منذ تلك اللحظة وحتى لحظتنا الحالية ما هو إلى مانيفستو سينمائي ثوري، مانيفستو مستمر ومتجدد وحيوي للغاية. أو ربما يمكننا استخدام وصف غلوبير روشا في المانيفستو الذي سماه جمالية الجوع، والذي وصف فيه مدرسة سينمائية من العالم الثالث أيضًا في البرازيل (سينما نوفو)، تعاني خلال السياقات الوطنية والاستعمارية والرأسمالية بذات الطرق التي عانى ويعاني خلالها رواد صناعة الأفلام في السودان، "طالما أن هناك مخرجًا على استعداد لتصوير الحقيقة والتصدي للنموذج الشرطي المنافق للرقابة، سوف تبقى سينما نوفو خلية حية. طالما أن هناك مخرجًا على استعداد لمواجهة النزعة التجارية، الاستغلال، الإباحية، طغيان التقنية، سوف تبقى سينما نوفو خلية حية. طالما أن هناك مخرجًا من أي عمر أو أصل على استعداد لوضع أفلامه ومهنته في خدمة القضايا الحاسمة لعصره، سوف تبقى سينما نوفو خلية حية". وهو بالضبط ما يؤُكده ويظهره عمل جماعة الفيلم السوداني.
تحدت الجماعة سلطة الدولة الدينية والرقابة الشرطية خلال التسعينيات والألفية الجديدة عبر رفع الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي للجماهير، والمشاركة في إنتاج الأفلام، التدريب السينمائي، السينما المتنقلة والثقافة السينمائية والتي قدمتها الجماعة في مختلف الفعاليات السينمائية التي أعدتها مثل "أيام السينما الأفريقية" و"نادي السينما"، والندوات التي تنوعت في نقاشاتها وأسئلتها حول السينما في السودان، النساء وقضاياهن في السينما الأفريقية والمقارنات بين السينما في شرق وغرب أفريقيا وغيرها الكثير.
قام مركز الصورة المعاصرة خلال شهري مارس وأبريل الماضيين باستضافة فعاليات عروض أفلام لجماعة الفيلم السوداني، عرض خلالها خمسة أفلام لأربعة مخرجين من الجماعة وهم إبراهيم شداد والطيب مهدي وسليمان النور ومهيرة سليم، وشارك المخرج ناصر الطيب المك خلال الفعالية الأولى عبر تقديم عمل وسياسة جماعة الفيلم السوداني منذ نشأتها وحتى اللحظة. حملت بعض المداخلات خلال أيام العروض أسئلة حول العلاقة بين احترافية الصانع والمناخ المحيط واختيار الشكل السينمائي وتأويلاته الجمالية والسياسية؛ مثل اختيار إبراهيم شداد لأن يكون فيلمه بالخام الأبيض والأسود واختيار سليمان النور لأن يجري مقابلات عشوائية في شوارع موسكو، واختيار الطيب مهدي لتقديم فيلم يتناول الصراع القائم بين مجتمع السيارات والحركة الآلية في مواجهة المشاة دون أي حوار، واختيار مهيرة لتقديم مشكلة المضايقات التي تتعرض لها النساء في المواصلات العامة عبر فيلم موسيقي. تناولت الأفلام موضوعات تنوعت بين العرق والطبقة ونظرة الآخر وقضايا النساء وإمكانية التغيير وتتبع الدوافع الشخصية التي تؤدي بخصوصيتها إلى قرارات فنية متأصلة فلسفيًا وأخرى لا زالت ماهيتها تتكشف أمام المخرجين حتى لحظتنا الحالية. ويبقى أخيرًا السؤال الذي نفكر فيه دومًا، وهو ما إذا كانت الأفلام وموضوعاتها تخص بقعة جغرافية بعينها أو أنها تحتمل التأويل في كل مكان وزمان؟
* نبذة عن المخرجين




ناصر الطيب المك تخرج من معهد السينما الحكومي لعموم الاتحاد السوفيتي. حصل على ماجستير إخراج أفلام تسجيلية وتلفزيونية. وحصل على ماجستير في السينما من أكاديمية السودان للعلوم. عمل في قسم السينما مصلحة الثقافة وزارة الثقافة والإعلام. وفي المركز القومي للبحوث. كما عمل كمعد ومشارك في كل العملية الإنتاجية مع فريق عمل إنتاج برنامج (المجلة العلمية) بالتلفزيون القومي لعدة سنوات. أشرف على إخراج عدد من مشاريع التخرج لكلية علوم الاتصال جامعة السودان للعلوم و التكنولوجيا. كما عمل في هيئة تحرير مجلة البحوث، وسكرتير تحرير مجلة العلوم من إصدار قسم الإعلام بالمركز القومي للبحوث. وهو حاليًا رئيس نادي السينما السوداني. من أفلامه: "الانتظار"، "من يستيقظ قبل بائعي اللبن"، "كرسي على السلم"( لم يكتمل)، "الأخت الممرضة" (فيلم التخرج).
(ننوه إلى أن أفلام الأستاذ ناصر الطيب غير متوفرة في مصر).

Comments
Post a Comment